مقال معرفي عام 10 دقائق قراءة

تواضع يا محمد! ولو لَقيتَ الإمام!

فضيلة الشيخ د.احمد زبيد

اكاديمي اردني,مختص في علوم القران ,حاصل على دكتوراة في الشريعة الاسلامية

تواضع يا محمد! ولو لَقيتَ الإمام!

تواضع يا محمد! ولو لَقيتَ الإمام!

محمد بن مسلم، شيخٌ جليلٌ القدر، عظيم المنزلة، من الأربعة النُّجَبَاء الذين حفظوا آثار النبوة عن الصادِقَين عليهما السلام. كان محمد بن مسلم موسِراً جليلاً، فقال له أبو جعفر الباقر عليه السلام: تَوَاضَعْ! إنَّ أمرَ الإمام عليه السلام لمحمدٍ بالتواضع هو درسٌ له ولكلِّ عالِمٍ ومؤمن، لكنَّ العجيب هو فِعلُ محمد بن مسلم حينها. فإنَّه: أَخَذَ قَوْصَرَةَ تَمْرٍ (وعاء) فَوَضَعَهَا عَلَى بَابِ المَسْجِدِ وَجَعَلَ يَبِيعُ التَّمْرَ! فَجَاءَ قَوْمُهُ فَقَالُوا: فَضَحْتَنَا! فَقَالَ: أَمَرَنِي مَوْلَايَ بِشَيْ‏ءٍ فَلَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبِيعَ هَذِهِ القَوْصَرَةَ! رأى محمد بن مسلم لزوم الإقدام على ما يكسِرُ به شموخَ النَّفس المحتمل، فأقبل على ما يراه قومُهُ فضيحةً له! وهو أمرٌ سائغٌ في نفسه، لكنَّهم لا يرونه مناسباً لشأنه، فأصَرَّ على فعله، وباع تمره. فَقَالُوا: أَمَّا إِذَا أَبَيْتَ إِلَّا هَذَا فَاقْعُدْ فِي الطَّحَّانِينَ، ثُمَّ سَلَّمُوا إِلَيْهِ رَحًى، فَقَعَدَ عَلَى بَابِهِ وَجَعَلَ يَطْحَنُ! (رجال الكشي ص165). محمدٌ نفسه يعلم أثَرَ التواضع، فهو الذي يروي خبر تخيير الله تعالى لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وآله بين أن يكون (عَبْداً رَسُولًا مُتَوَاضِعاً) أَوْ (مَلِكاً رَسُولا)، حينما اختار (ص) أن يكون عبداً متواضعاً! مع أنَّه لو اختار المُلك لما كان ينقصه شيء مما عند الله! (الكافي ج2 ص122). ولقد اصطفى الله موسى عليه السلام لتواضعه فأوحى له: يَا مُوسَى إِنِّي قَلَّبْتُ عِبَادِي ظَهْراً لِبَطْنٍ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِمْ أَحَداً أَذَلَّ لِي نَفْساً مِنْك!‏ (الكافي ج2 ص122). لم يكن محمد بن مسلم من أهل التكبُّر، وقد قال الصادق عليه السلام: مَا مِنْ رَجُلٍ تَكَبَّرَ أَوْ تَجَبَّرَ إِلَّا لِذِلَّةٍ وَجَدَهَا فِي نَفْسِه‏! (الكافي ج2 ص312). كما لم يكن صعصعة بن صوحان متكبِّراً، حين عادَه أميرُ المؤمنين عليه السلام في مرضه، وقال له: يَا صَعْصَعَةُ لَا تَتَّخِذْ عِيَادَتِي لَكَ أُبَّهَةً عَلَى قَوْمِكَ! وهو الذي ورد في حقه: مَا كَانَ مَعَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (ع) مَنْ يَعْرِفُ حَقَّهُ إِلَّا صَعْصَعَةُ وَأَصْحَابُهُ! (رجال الكشي ص68). فالمؤمنُ إذا ما نظرَ إليه إمامُهُ نظرةً رحيمةً، عَرَفَ أنَّ هذا فضلٌ منه عليه السلام، واجتنب التكبُّر على إخوانه! فما أعجب مَن يرى لنفسه فضلاً على إخوانه إن يسَّرَ الله له عِلماً أو رِزقاً أو جاهاً! فظنَّ أنَّه صاحب فضلٍ على مَن حوله! وتكبَّرَ وتجبَّر! وهو نظيرهم في الفقر والاحتياج لله تعالى! ولقد أمسى أحمد بن محمد بن أبي نصر ليلةً عند إمامنا الرضا عليه السلام، فأمره بالمبيت عنده، وأمر بوسادته ففرشت له، يقول أحمد: فَلَمَّا صِرْتُ فِي البَيْتِ دَخَلَنِي شَيْ‏ءٌ فَجَعَلَ يَخْطُرُ بِبَالِي: مَنْ مِثْلِي فِي بَيْتِ وَلِيِّ الله وَعَلَى مِهَادِهِ! فذكَّره الرضا عليه السلام بمقولة أمير المؤمنين عليه السلام لصعصعة آمراً إياه بالتواضع (رجال الكشي ص588). هذه الأمور عطايا من الله وأوليائه لصعصعة وابن أبي نصر ومحمد بن مسلم، وعطايا الله كثيرةٌ، تشمل العقل والعلم والمال وغير ذلك، والعبدُ المؤمن بعد إقراره بأنَّها عطيَّةٌ لا يتكبَّر على إخوانه بما مَنَّ الله عليه، بل يزيده ذلك تواضعاً فيرفعه الله لتواضعه! ولقد كان من عطايا الإمام عليه السلام لمحمد بن مسلم شرابٌ مغطى بمنديل، أرسله إليه عندما قَدِمَ المديناً وَجِعاً ثقيلاً، فتناوَلَ شراب الإمام: فَإِذَا رَائِحَةُ المِسْكِ مِنْهُ! وَإِذَا شَرَابٌ طَيِّبُ الطَّعْمِ بَارِدٌ! أمره غلام الإمام بالقيام بعد الشَّراب، ولم يكن يقدر قبلها على ذلك، يقول: فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الشَّرَابُ فِي جَوْفِي كَأنَّمَا نَشِطْتُ مِنْ عِقَالٍ! هذا عطاءٌ آخر من عطاءات الإمام لمحمد بن مسلم، حيثُ رفع به عنه شيئاً من مرضه ليتقوى على القدوم إليه.. يقول محمد: فَأَتَيْتُ بَابَهُ فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ، فَصَوَّتَ بِي: صَحَّ الجِسْمُ! ادْخُلْ ادْخُلْ! فَدَخَلْتُ وَأَنَا بَاكٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَقَبَّلْتُ يَدَهُ وَرَأْسَهُ! فَقَالَ لِي: وَمَا يُبْكِيكَ يَا مُحَمَّدُ؟ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ، أَبْكِي عَلَى اغْتِرَابِي! وَبُعْدِ الشُّقَّةِ! وَقِلَّةِ المَقْدرَةِ عَلَى المُقَامِ عِنْدَكَ وَالنَّظَرِ إِلَيْكَ! آهٍ لِمَن يعرفُ قَدرَ إمامه كمحمدٍ هذا! وهو الذي سمع ووعى آلاف الأحاديث من الإمام، وعايشه دَهراً، لكنَّه لمّا بعُدَت به الشقَّة صار يبكي لغربته عن إمامه! وعجزه عن المقام عنده! فما حال الشيعة في زمن الغيبة؟! ما حال مَن لم يرَ إمامَهُ بعينِه يوماً؟! وإن رأته القلوب بمجامع الإيمان! إنَّ بُكَاءَ محمد بن مسلم وكلامه هو لسانُ حال كلِّ مؤمنٍ في أيامنا، حينَ نفقتد إمامنا، ونشتاق إليه، ويضيق صدرنا لغربتنا وغربة إمامنا! لقد كان في جواب الصادق عليه السلام سلوةٌ لمحمد ولنا جميعاً! قال الصادق عليه السلام: أَمَّا قِلَّةُ المَقْدرَةِ: فَكَذَلِكَ جَعَلَ الله أَوْلِيَاءَنَا وَأَهْلَ مَوَدَّتِنَا، وَجَعَلَ البَلَاءَ إِلَيْهِمْ سَرِيعاً. قد يتألَّمُ المؤمن لقلَّة ذات يده، أو لكثرة البلاء النَّازل عليه، لكنَّه ما يلبث أن يطمئن، لعلمه أنَّ كلَّ ما ينزله الله تعالى عليه فهو خيرٌ له، سواءٌ أغناه الله أو أفقره، عافاه أو أمرضه، أعطاه أو حرمه! وإن مَيَّزه تعالى بأن جعل البلايا إليه سريعةً! إجراءً لميثاقٍ بينه وبين عباده المؤمنين الممتحنين. ثم يقول عليه السلام: وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنَ الغُرْبَةِ: فَلَكَ بِأَبِي عَبْدِ الله أُسْوَةٌ بِأَرْضٍ نَاءٍ عَنَّا بِالفُرَاتِ! ما أعجب كلام الإمام وأسرع تأثيرَه في النُّفوس! فَمَن سَمِعَه وتنبَّه إلى غربة الحسين عليه السلام حيَّاً وميتاً، هانت عليه غربة نفسه! لما يرى من غربة أعظم عظماء زمانه، الشهيد المظلوم عليه السلام، حين كَثُرَ واتِرُه، وَقَلَّ ناصره! ولقد خاطبه الإمام المنتظر عجل الله فرجه قائلاً: وَأَحْدَقُوا بِكَ مِنْ كُلِّ الجِهَاتِ، وَأَثْخَنُوكَ بِالجِرَاحِ، وَحَالُوا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الرَّوَاحِ، وَلَمْ يَبْقَ لَكَ نَاصِرٌ، وَأَنْتَ مُحْتَسِبٌ صَابِرٌ، تَذُبُّ عَنْ نِسْوَتِكَ وَأَوْلَادِكَ (المزار الكبير ص504). أيُّ غُربَةٍ هذه قبيل شهادته، وأيُّ غربةٍ بالبُعد عن الأئمة من ذريته المعصومين، المقهورين المغصوبين! التي يشير إليها الصادق عليه السلام: بِأَرْضٍ نَاءٍ عَنَّا بِالفُرَاتِ! ثمَّ يقول عليه السلام: وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ بُعْدِ الشُّقَّةِ: فَإِنَّ المُؤْمِنَ فِي هَذِهِ الدَّارِ غَرِيبٌ، وَفِي هَذَا الخَلْقِ المَنْكُوسِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ إِلَى رَحْمَةِ الله. وكيف لا يستوحشُ المؤمن في هذه الدُّنيا، إن كان قلبه مفتوحاً (فِيهِ مَصَابِيحُ تَزْهَر)، ويعيش بين قومٍ لهم: (قَلْبٌ مَنْكُوسٌ لَا يَعِي شَيْئاً مِنَ الخَيْرِ)! ثم يقول عليه السلام: وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ حُبِّكَ قُرْبَنَا وَالنَّظَرَ إِلَيْنَا، وَإِنَّكَ لَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ: فَالله يَعْلَمُ مَا فِي قَلْبِكَ وَجَزَاؤُكَ عَلَيْهِ! (رجال الكشي ص168 والاختصاص ص52). الله يعلم ما في قلوبنا جميعاً! فهنيئاً لمن امتلأ قلبه بحبِّ آل محمدٍ عليهم السلام، الذي إن عَجِزَ عن النَّظر إليهم في زمن الغيبة نَظَرَ إلى مراقدهم إن وفَّقه الله لذلك.. وخاطبهم أحياءً عند ربهم يرزقون، يرون مقامه ويسمعون كلامه ويردُّون سلامه! هنيئاً لمن وصل إمامه بصلة إخوانه! وأدخل السرور عليه بإدخاله عليهم! كما عن الصادق عليه السلام: مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى صِلَتِنَا فَلْيَصِلْ صَالِحِي شِيعَتِنَا يُكْتَبْ لَهُ ثَوَابُ صِلَتِنَا! وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى زِيَارَتِنَا فَلْيَزُرْ صَالِحِي مَوَالِينَا يُكْتَبْ لَهُ ثَوَابُ زِيَارَتِنَا! (الفقيه ج2 ص73). وعنه عليه السلام: مَنْ سَرَّ مُؤْمِناً فَقَدْ سَرَّنَا (المزار للمفيد ص201). فلئن حُرِمَ المؤمنُ لقيا إمامه عليه السلام في زمن الغيبة، وبكى كما بكى محمد بن مسلم للغربة وبُعد الشقَّة، فإنَّه يظل يقول: عَزِيزٌ عَلَيَّ أَنْ أَرَى الخَلْقَ وَلَا تُرَى‏! عَزِيزٌ عَلَيَّ أَن تُحِيطَ بِكَ دُونِيَ الْبَلْوَى! وَلَا يَنَالَكَ مِنِّي ضَجِيجٌ وَلَا شَكْوَى!‏ عجَّلَ الله فرجه.. وسهل مخرجه، وأرانا وجهه في سلامة وعافية من أمور الدين والدنيا. والحمد لله رب العالمين

تواضع يا محمد! ولو لَقيتَ الإمام!

محمد بن مسلم، شيخٌ جليلٌ القدر، عظيم المنزلة، من الأربعة النُّجَبَاء الذين حفظوا آثار النبوة عن الصادِقَين عليهما السلام. كان محمد بن مسلم موسِراً جليلاً، فقال له أبو جعفر الباقر عليه السلام: تَوَاضَعْ! إنَّ أمرَ الإمام عليه السلام لمحمدٍ بالتواضع هو درسٌ له ولكلِّ عالِمٍ ومؤمن، لكنَّ العجيب هو فِعلُ محمد بن مسلم حينها. فإنَّه: أَخَذَ قَوْصَرَةَ تَمْرٍ (وعاء) فَوَضَعَهَا عَلَى بَابِ المَسْجِدِ وَجَعَلَ يَبِيعُ التَّمْرَ! فَجَاءَ قَوْمُهُ فَقَالُوا: فَضَحْتَنَا! فَقَالَ: أَمَرَنِي مَوْلَايَ بِشَيْ‏ءٍ فَلَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبِيعَ هَذِهِ القَوْصَرَةَ! رأى محمد بن مسلم لزوم الإقدام على ما يكسِرُ به شموخَ النَّفس المحتمل، فأقبل على ما يراه قومُهُ فضيحةً له! وهو أمرٌ سائغٌ في نفسه، لكنَّهم لا يرونه مناسباً لشأنه، فأصَرَّ على فعله، وباع تمره. فَقَالُوا: أَمَّا إِذَا أَبَيْتَ إِلَّا هَذَا فَاقْعُدْ فِي الطَّحَّانِينَ، ثُمَّ سَلَّمُوا إِلَيْهِ رَحًى، فَقَعَدَ عَلَى بَابِهِ وَجَعَلَ يَطْحَنُ! (رجال الكشي ص165). محمدٌ نفسه يعلم أثَرَ التواضع، فهو الذي يروي خبر تخيير الله تعالى لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وآله بين أن يكون (عَبْداً رَسُولًا مُتَوَاضِعاً) أَوْ (مَلِكاً رَسُولا)، حينما اختار (ص) أن يكون عبداً متواضعاً! مع أنَّه لو اختار المُلك لما كان ينقصه شيء مما عند الله! (الكافي ج2 ص122). ولقد اصطفى الله موسى عليه السلام لتواضعه فأوحى له: يَا مُوسَى إِنِّي قَلَّبْتُ عِبَادِي ظَهْراً لِبَطْنٍ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِمْ أَحَداً أَذَلَّ لِي نَفْساً مِنْك!‏ (الكافي ج2 ص122). لم يكن محمد بن مسلم من أهل التكبُّر، وقد قال الصادق عليه السلام: مَا مِنْ رَجُلٍ تَكَبَّرَ أَوْ تَجَبَّرَ إِلَّا لِذِلَّةٍ وَجَدَهَا فِي نَفْسِه‏! (الكافي ج2 ص312). كما لم يكن صعصعة بن صوحان متكبِّراً، حين عادَه أميرُ المؤمنين عليه السلام في مرضه، وقال له: يَا صَعْصَعَةُ لَا تَتَّخِذْ عِيَادَتِي لَكَ أُبَّهَةً عَلَى قَوْمِكَ! وهو الذي ورد في حقه: مَا كَانَ مَعَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (ع) مَنْ يَعْرِفُ حَقَّهُ إِلَّا صَعْصَعَةُ وَأَصْحَابُهُ! (رجال الكشي ص68). فالمؤمنُ إذا ما نظرَ إليه إمامُهُ نظرةً رحيمةً، عَرَفَ أنَّ هذا فضلٌ منه عليه السلام، واجتنب التكبُّر على إخوانه! فما أعجب مَن يرى لنفسه فضلاً على إخوانه إن يسَّرَ الله له عِلماً أو رِزقاً أو جاهاً! فظنَّ أنَّه صاحب فضلٍ على مَن حوله! وتكبَّرَ وتجبَّر! وهو نظيرهم في الفقر والاحتياج لله تعالى! ولقد أمسى أحمد بن محمد بن أبي نصر ليلةً عند إمامنا الرضا عليه السلام، فأمره بالمبيت عنده، وأمر بوسادته ففرشت له، يقول أحمد: فَلَمَّا صِرْتُ فِي البَيْتِ دَخَلَنِي شَيْ‏ءٌ فَجَعَلَ يَخْطُرُ بِبَالِي: مَنْ مِثْلِي فِي بَيْتِ وَلِيِّ الله وَعَلَى مِهَادِهِ! فذكَّره الرضا عليه السلام بمقولة أمير المؤمنين عليه السلام لصعصعة آمراً إياه بالتواضع (رجال الكشي ص588). هذه الأمور عطايا من الله وأوليائه لصعصعة وابن أبي نصر ومحمد بن مسلم، وعطايا الله كثيرةٌ، تشمل العقل والعلم والمال وغير ذلك، والعبدُ المؤمن بعد إقراره بأنَّها عطيَّةٌ لا يتكبَّر على إخوانه بما مَنَّ الله عليه، بل يزيده ذلك تواضعاً فيرفعه الله لتواضعه! ولقد كان من عطايا الإمام عليه السلام لمحمد بن مسلم شرابٌ مغطى بمنديل، أرسله إليه عندما قَدِمَ المديناً وَجِعاً ثقيلاً، فتناوَلَ شراب الإمام: فَإِذَا رَائِحَةُ المِسْكِ مِنْهُ! وَإِذَا شَرَابٌ طَيِّبُ الطَّعْمِ بَارِدٌ! أمره غلام الإمام بالقيام بعد الشَّراب، ولم يكن يقدر قبلها على ذلك، يقول: فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الشَّرَابُ فِي جَوْفِي كَأنَّمَا نَشِطْتُ مِنْ عِقَالٍ! هذا عطاءٌ آخر من عطاءات الإمام لمحمد بن مسلم، حيثُ رفع به عنه شيئاً من مرضه ليتقوى على القدوم إليه.. يقول محمد: فَأَتَيْتُ بَابَهُ فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ، فَصَوَّتَ بِي: صَحَّ الجِسْمُ! ادْخُلْ ادْخُلْ! فَدَخَلْتُ وَأَنَا بَاكٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَقَبَّلْتُ يَدَهُ وَرَأْسَهُ! فَقَالَ لِي: وَمَا يُبْكِيكَ يَا مُحَمَّدُ؟ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ، أَبْكِي عَلَى اغْتِرَابِي! وَبُعْدِ الشُّقَّةِ! وَقِلَّةِ المَقْدرَةِ عَلَى المُقَامِ عِنْدَكَ وَالنَّظَرِ إِلَيْكَ! آهٍ لِمَن يعرفُ قَدرَ إمامه كمحمدٍ هذا! وهو الذي سمع ووعى آلاف الأحاديث من الإمام، وعايشه دَهراً، لكنَّه لمّا بعُدَت به الشقَّة صار يبكي لغربته عن إمامه! وعجزه عن المقام عنده! فما حال الشيعة في زمن الغيبة؟! ما حال مَن لم يرَ إمامَهُ بعينِه يوماً؟! وإن رأته القلوب بمجامع الإيمان! إنَّ بُكَاءَ محمد بن مسلم وكلامه هو لسانُ حال كلِّ مؤمنٍ في أيامنا، حينَ نفقتد إمامنا، ونشتاق إليه، ويضيق صدرنا لغربتنا وغربة إمامنا! لقد كان في جواب الصادق عليه السلام سلوةٌ لمحمد ولنا جميعاً! قال الصادق عليه السلام: أَمَّا قِلَّةُ المَقْدرَةِ: فَكَذَلِكَ جَعَلَ الله أَوْلِيَاءَنَا وَأَهْلَ مَوَدَّتِنَا، وَجَعَلَ البَلَاءَ إِلَيْهِمْ سَرِيعاً. قد يتألَّمُ المؤمن لقلَّة ذات يده، أو لكثرة البلاء النَّازل عليه، لكنَّه ما يلبث أن يطمئن، لعلمه أنَّ كلَّ ما ينزله الله تعالى عليه فهو خيرٌ له، سواءٌ أغناه الله أو أفقره، عافاه أو أمرضه، أعطاه أو حرمه! وإن مَيَّزه تعالى بأن جعل البلايا إليه سريعةً! إجراءً لميثاقٍ بينه وبين عباده المؤمنين الممتحنين.

الخلاصة

فهنيئاً لمن امتلأ قلبه بحبِّ آل محمدٍ عليهم السلام، الذي إن عَجِزَ عن النَّظر إليهم في زمن الغيبة نَظَرَ إلى مراقدهم إن وفَّقه الله لذلك.. وخاطبهم أحياءً عند ربهم يرزقون، يرون مقامه ويسمعون كلامه ويردُّون سلامه! هنيئاً لمن وصل إمامه بصلة إخوانه! وأدخل السرور عليه بإدخاله عليهم! كما عن الصادق عليه السلام: مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى صِلَتِنَا فَلْيَصِلْ صَالِحِي شِيعَتِنَا يُكْتَبْ لَهُ ثَوَابُ صِلَتِنَا!

المصادر

  1. [1] انظر: الصابوني، صفوة التفاسير (1/ 476). [2] المرجع السابق (1/ 476). [3] انظر: المرجع السابق (1/ 476). [4] المرجع السابق (1/ 476). [5] انظر: المرجع السابق (1/ 476). [6] انظر: شمس الدين القرطبي