مقال شرعي أسرة 4 دقائق قراءة

حين يختلف الزوجان: كيف يبقى البيت مكانًا للسكينة لا ساحةً للخصومة؟

فضيلة الشيخ الدكتور أحمد زبيد

محاضر في هيئة الإحسان الإسلامية. محتوى أسري تربوي يربط النص الشرعي بواقع البيت، مع الإحالة إلى أهل العلم والاختصاص في النزاعات التي تتعلق بعنف أو حقوق أو تفاصيل لا يكفي فيها التوجيه العام.

الخلاف بين الزوجين لا يعني فشل الزواج، لكن طريقة إدارة الخلاف قد تحفظ المودة أو تجرحها طويلًا. يعرض المقال أصولًا شرعية عملية: المعاشرة بالمعروف، ضبط اللسان، عدم تحويل الأبناء إلى أطراف في النزاع، حفظ أسرار البيت، والاستعانة بحكماء الأسرة أو المختصين عند تعقد المشكلة.

الخلاف يقع، لكن الظلم ليس أمرًا طبيعيًا

لا يخلو بيت من اختلاف في الطباع أو المال أو الأولويات أو تربية الأبناء. وجود الخلاف نفسه ليس الدليل على فساد العلاقة. الاختبار الحقيقي هو: ماذا نفعل حين نختلف؟ قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]، وقال سبحانه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]. والمعروف ليس كلمة تقال وقت الرضا فقط؛ يظهر أثره عند الغضب، حين يقدر الإنسان على الإيذاء ثم يختار العدل وضبط اللسان. فلا يصح أن يتحول اختلاف على مصروف أو زيارة أو قرار تربوي إلى شتم، أو إهانة للأهل، أو تهديد، أو كشف للأسرار. وجود مشكلة لا يمنح أحد الطرفين رخصة في الظلم.

اختلفا في المسألة، لا في كرامة الشخص

من أكثر الأخطاء شيوعًا أن يبدأ الحديث بموضوع محدد ثم يتحول إلى محاكمة للإنسان كله: «أنت دائمًا هكذا»، «أنت لا تفهم»، «أهلك كلهم…». عندها يضيع أصل القضية، ويصبح كل طرف مشغولًا بالدفاع عن كرامته. الأقرب للمعروف أن تُسمّى المشكلة بحدودها: «نحن مختلفان على طريقة إدارة هذا المال»، أو «أحتاج أن نتفق على وقت استعمال الهاتف أمام الأطفال». كلما كان الكلام محددًا، كان الإصلاح ممكنًا. والنبي ﷺ قال: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». حسن الخلق مع الغرباء لا يعوض سوء الخلق مع أقرب الناس؛ فالبيت أول موضع يظهر فيه صدق الأخلاق.

لا تجعلوا الأبناء قضاةً بين والديهم

حين يختلف الزوجان قد يميل أحدهما إلى كسب الأبناء إلى صفه: يخبرهم بتفاصيل الخلاف، أو يطلب منهم نقل رسائل، أو يسألهم: «من المخطئ أنا أم أمك؟». هذا يضع الطفل في موضع لا يحتمله، ويشوّش عليه معنى الأمان والانتماء إلى والديه معًا. الأصل أن يبقى خلاف الكبار بين الكبار ما أمكن. وإذا احتاج الأبناء إلى تفسير توتر واضح في البيت، فيكفي كلام يناسب أعمارهم من غير تشهير بأحد: «هناك اختلاف ونحاول حله، وأنتم لستم سببًا فيه». ولا يُستعمل الطفل أداة ضغط: لا يُمنع من محبة أحد والديه، ولا يُطلب منه جمع معلومات عن الطرف الآخر، ولا يُحمّل أسرارًا أكبر من سنه.

سر البيت ليس مادةً للمجالس

في لحظة الغضب يسهل أن يرسل أحد الزوجين تفاصيل الخلاف إلى مجموعة عائلية أو صديق أو صديقة، ثم تتسع الدائرة ويصعب جمع ما تفرق. والمشورة ليست ممنوعة، بل قد تكون مطلوبة، لكن الفرق كبير بين طلب النصيحة من شخص حكيم أمين وبين نشر كل ما يكره الطرف الآخر أن يُكشف. اختر شخصًا واحدًا أو اثنين ممن عرفوا بالعقل والعدل وحفظ السر، واذكر من التفاصيل قدر ما يحتاجه الإصلاح. لا تجمع الأنصار، ولا تنشر التسجيلات والصور والمحادثات لتثبت أنك المظلوم أمام الجمهور. والستر لا يعني إخفاء الأذى الخطير عمن يستطيع منعه. إذا كان هناك عنف أو تهديد أو خوف على النفس أو الأبناء، فطلب الحماية والمساعدة من الجهات الموثوقة ليس فضحًا مذمومًا.

متى نحتاج إلى طرف ثالث؟

إذا تكرر الخلاف نفسه ولم يعد الحوار الثنائي ينتج شيئًا، فقد يكون إدخال طرف حكيم خطوة إصلاح لا علامة هزيمة. قال الله تعالى في حال الشقاق: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 35]. ليس كل قريب صالحًا للتحكيم. ابحثوا عمن يخاف الله، لا يغذي الخصومة، لا يدخل بثأرات قديمة، ويسمع للطرفين. وقد تكون الحاجة في بعض الحالات إلى مستشار أسري مؤهل، أو إلى مختص قانوني أو نفسي، بحسب طبيعة المشكلة. المقال العام لا يستطيع معرفة تفاصيل زواج بعينه؛ لذلك لا يصح تحويله إلى حكم على طرف لم نسمع منه.

قاعدة قبل الحديث الصعب

لا تناقشوا كل شيء في لحظة الانفجار. إن كان أحد الطرفين شديد الغضب، فالتأجيل القصير حتى يهدأ قد يكون حكمة. اتفقوا على وقت يعود فيه الحوار بدل الهروب منه بلا نهاية. ابدأوا بنقطة واحدة، وليتكلم كل طرف عن الفعل الذي أزعجه وعن الحل الذي يريده، لا عن قيمة الآخر. وإذا ظهر خطأ واضح، فالاعتذار الصريح أقرب للإصلاح من المرافعة الطويلة. البيت لا يحتاج إلى منتصر ومهزوم في كل خلاف؛ يحتاج إلى عدل يحفظ الحقوق، ورحمة تحفظ القلوب.

الخلاصة

المعاشرة بالمعروف تظهر عند الاختلاف أكثر مما تظهر عند الهدوء. اضبطوا اللسان، افصلوا المشكلة عن كرامة الشخص، احموا الأبناء من أن يصبحوا أطرافًا، واحفظوا أسرار البيت إلا بقدر ما تدعو إليه حاجة إصلاح أو حماية. وإذا تعقد الأمر، فطلب المساعدة من أهل الحكمة والاختصاص طريق إصلاح، لا عيبًا يُستحيا منه.

المصادر

  1. القرآن الكريم — سورة النساء، الآيتان 19 و35
  2. القرآن الكريم — سورة البقرة، الآية 228
  3. الشيخ عبد العزيز بن باز — معنى قول الرسول ﷺ «خيركم خيركم لأهله»
  4. الشيخ عبد العزيز بن باز — الحث على المعاشرة بالمعروف